ما هو العود حقّاً؟

8 · دقائق قراءة · A. Yörük · ٢٢ مايو ٢٠٢٦

هناك شجرةٌ لا تفوح برائحةٍ في معظم حياتها.

تنمو في غابات جنوب آسيا وجنوب شرقها — بطيئةً، عاديّةً، لا تختلف عن مئاتٍ من الأشجار الصلبة. ثم، أحياناً، تُجرَح. عاصفةٌ تشقّ غصناً. حشرةٌ تنخر القلب. فطرٌ يدخل. تستجيب الشجرة كما تستجيب الأجساد للأذى: تُفرز صمغاً لتحمي نفسها، لتختم الجرح، لتقاوم العدوى. يتشبّع الخشب المحيط بهذا الصمغ، فيغمق ويتكاثف ويصير شيئاً لا يشبه أيّ شيءٍ آخر على هذه الأرض.

ما نحرقه ونقطّره ونرتديه هو دفاع الشجرة عن موتها. ذلك هو العود.

تعني كلمة عود في العربية، حرفيّاً، قطعةً من الخشب — جذعاً أو فرعاً مشكَّلاً أو مقطوعاً. وبالاسم نفسه سُمّيت آلة العود، المصنوعة من خشبٍ مشكَّل، الحاضرة في كلّ ثقافةٍ ناطقةٍ بالعربية. وعلى مرّ القرون صار اللفظ يُطلق على خشبٍ واحدٍ دون سواه: قلب أشجار جنس Aquilaria وGyrinops وبعض الأنواع القريبة منها في فصيلة الميزرية. وأجود درجاته أغلى وزناً من الذهب. وأرفع قطعه أعتق من أعمارنا كلّها.

تلك هي القصّة التي تجدها في الإعلانات.

أمّا القصّة التي لا تجدها فهي هذه: لا أحد تقريباً يبيعك الشجرة.

ما يعنيه ‘‘العود’’ عادةً في القارورة

ادخل إلى أيّ متجر عطورٍ في الرياض أو باريس أو نيويورك. اعثر على الرفّ المكتوب عليه Oud Wood أو Oud Royale أو Black Oud أو Velvet Oud. ارفع قارورةً. ما تحمله في يدك لا يحتوي، في الغالب الأعمّ، على أيّ عودٍ حقيقيّ.

ما يحتويه تركيبةٌ صناعيّة — تأليفٌ مخبريّ صُمِّم ليوحي بالعود لأنفٍ لم يشمّ الحقيقيّ منه قطّ. الجزيئات كيمياءٌ حقيقيّة. الرائحة معروفة. لكنّها بالنسبة إلى العود الحقيقيّ كلوحةٍ زيتيّةٍ لغابةٍ بالنسبة إلى الغابة.

ليست هذه فضيحةً. إنّها بنية صناعة العطور الحديثة. زيت العود الحقيقيّ من أغلى المواد الخام على وجه الأرض في الدرجات التي يفكّر فيها عطّارٌ جادّ. ولو وُضِع جزءٌ من المئة من عودٍ حقيقيٍّ في عطرٍ تجاريّ لتجاوز سعره أيّ سوقٍ ممكنة. ولهذا وُجدت التركيبة الصناعيّة. هي وظيفيّة، ومتسقة، وأقلّ إشكاليّةً أخلاقيّاً من الحصاد البرّيّ، وهي ما شمّه فعلاً معظم أهل الأرض حين يقولون إنّهم شمّوا العود.

التركيبة الصناعيّة، بمعنى ما، هي الصورة الأشهر للعود. فقط ليست الصورة التي صنعت السمعة.

كيف يفوح العود الحقيقيّ

ليس ثمّة جوابٌ واحد.

العود الحقيقيّ من هاينان لا يشبه العود الحقيقيّ من كمبوديا. والعود الكمبوديّ لا يشبه الآسامي الهنديّ. وبورنيو لا يشبه ترات. وداخل المنطقة الواحدة، يختلف العود من شجرةٍ جُرحت يافعةً وحُصدت بعد ثلاثين عاماً عن العود من الشجرة نفسها بعد ثمانين. وفي الحصاد الواحد، يختلف أعلى الشجرة عن أسفلها. والأشجار البرّيّة والمستزرعة عالمان. والتقطير بالبخار، والتقطير بالماء، والاستخلاص بثاني أكسيد الكربون من الخشب نفسه يُعطي ثلاثة زيوتٍ مختلفة.

هذا التفاوت ليس عيباً. هو المقصد.

يتعلّم الذوّاقة العود كما يتعلّم خبير النبيذ نبيذه — بالمنشأ، وبالسنة، وبيد المقطِّر، وبالشجرة بعينها إن أسعفه الحظّ. الكمبوديّ الهنديّ المعتَّق عالمٌ قائمٌ بذاته. وساسورا — التي قد يظنّها المرء اسم مكانٍ وهي ليست كذلك، بل إحدى التصنيفات الستّة في ريكّوكو غومي اليابانيّ، الذي وضعه سنجونيشي سانيتاكا في القرن الخامس عشر في عهد الشوغون أشيكاغا يوشيماسا لتصنيف أنواع العود المعروفة في اليابان حينئذٍ — تصف طابعاً بعينه ميّزه أساتذة كودو القدامى قبل قرونٍ من شهاداتنا الحديثة.

أن تقول إنّك ‘‘تحبّ العود’’ يعني أنّك تحبّ الخشب. أيّ خشب؟ هذه بداية سؤالٍ لا جوابه.

الطبقات، باختصار

لمن أراد المزيد، هكذا يُفكِّر من يعمل مع العود الحقيقيّ فيما لديه:

التراثيّ والمعتَّق. زيوتٌ قُطِّرت قبل عشرين أو ثلاثين أو ستّين عاماً، صنعتها في الغالب عائلاتٌ لم تعد تقطّر. أكثرها خرج من السوق. حين تظهر، تُسعَّر بما تستحقّه. لا تلبسها كثيراً. تلبسها في الأيّام التي تريد فيها أن تشعر بحضور شيءٍ أقدم منك.

البرّيّ المنشأ. زيوتٌ من أشجارٍ نمت دون يد إنسان، في غاباتٍ لم تنقرض بعد. تتناقص. تُنظَّم أكثر فأكثر. تُزوَّر أكثر فأكثر. الماروكي البرّيّ أو التايلانديّ الجنوبيّ البرّيّ حديثٌ مختلفٌ عن قريبه المستزرع.

المستزرع، أحاديّ المنشأ. أشجارٌ زُرعت قصداً للحصاد، يقطّرها منتجون جادّون، دفعةً واحدة، دون خلط بين مناطق. صادقٌ ومتاحٌ، ومكتبة العمل في العطر المعاصر.

المخلوط والممدَّد. معظم ما يُباع في السوق بوصفه ‘‘زيت عودٍ’’ — حتّى في كثيرٍ من المحلّات التي يفترض بها أن تعرف أكثر — مخلوطٌ من مناشئ شتّى، ممدَّدٌ بزيوت حاملة، ممطوطٌ أحياناً بسنداتٍ صناعيّة. قد تبقى رائحته جميلة. لكنّه لم يعد عوداً أحاديّ المنشأ.

نعمل أساساً في الطبقتين الوسطيّتين، مع قطعٍ نادرةٍ من الأولى. ولا نعمل في الرابعة.

لماذا نقول لكم هذا

لأنّ الدار توجد في تلك الهوّة بين ما هو العود وبين ما يظنّه الناس عوداً.

ستقرأ في مواقع بيوت عطورٍ أخرى أنّها تستخدم ‘‘أجود عودٍ من غابات كمبوديا’’. أحياناً يكون ذلك صحيحاً. وأحياناً يعني تركيبةً صناعيّةً صُمِّمت لتُذكِّرك بكمبوديا. وأحياناً يعني زيتاً كمبوديّاً حقيقيّاً قُطِّع بخشب الصندل وثنائيّ بروبيلين الغليكول حتّى صار جزءاً يسيراً من تركيزه الأصليّ.

لسنا في موقع من يحاسب غيره. نحن في موقع من يصدق مع نفسه: حين يحتوي عطر يوروك على عودٍ، فإنّه يحتوي على عودٍ حقيقيّ، من طبقةٍ سنخبركم عنها، بكمّيّةٍ تسمح لكم بشمّه. وحين لا يحتوي عطر يوروك على عودٍ، فلن نضع الكلمة على ملصقه.

نحسب أنّ الشجرة تستحقّ ذلك. ونحسب أنّكم تستحقّونه أيضاً.


هذه أوّل ما نكتبه في سلسلةٍ صغيرة من اليوميّات في الموادّ، والطريقة، وما تعلّمناه من قضاء كثيرٍ من العمر في شمّ الخشب.